مراجعة كتاب:"علم النفس دينًا:مذهب عبادة الذات" تأليف بول سي

كمال الدين نور الدين مرجوني
جامعة السلطان الشريف علي الإسلامية

كتاب علم النفس دينًا: مذهب عبادة الذات من تأليف بول سي. فيتز ينتقد بعض تطورات علم النفس الحديث التي لم تعد تُعدّ مجرد علم يدرس النفس، بل تحولت – في نظره – إلى ما يشبه “البديل عن الدين”.

في هذا التصور، غالبًا ما تُركَّز مفاهيم السعادة ومعنى الحياة على الذات من خلال أفكار مثل تحقيق الذات، مما قد يؤدي إلى ما يُسمى بـ“عبادة الذات”، أي جعل الفرد مركز القيم والحقيقة وغاية الحياة.

يشير بول سي. فيتز إلى أنه في بعض مدارس علم النفس، مثل التحليل النفسي عند فرويد، وكذلك علم النفس الإنساني (وخاصة عند كارل روجرز وأبراهام ماسلو)، توجد نزعة إلى اعتبار الذات والتجربة الشخصية سلطةً عليا. ويرى أن هذا قد يعزز الفردانية المفرطة، ويضعف الروابط الاجتماعية، ويؤدي إلى فراغ وجودي عندما يفقد الإنسان مرجعيةً أسمى للمعنى خارج ذاته.

لكن اللافت أن الفكرة الأساسية التي ينتقدها هذا الكتاب ليست جديدة تمامًا. فقد عرض القرآن الكريم هذا المبدأ بوضوح قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا (١٤١٦ سنة)، أي قبل ظهور علم النفس الحديث بزمن طويل. ومن ذلك التحذير من الإنسان الذي يتخذ هواه إلهًا، كما قال الله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) -الجاثية: 23-
تعكس هذه الآية مباشرةً جوهر ما يسميه بول سي. فيتز “عبادة الذات”، أي عندما تصبح الرغبات الشخصية هي المعيار الأعلى لتحديد الصواب والخطأ. في هذه الحالة، لا يعود الإنسان يبحث عن الحقيقة الموضوعية، بل يصنع “حقيقته” بناءً على أهوائه. وهذا يمثل نقل السلطة الأخلاقية من الله إلى النفس البشرية. ويرفض الإسلام ذلك رفضًا قاطعًا، لأنه يحوّل الإنسان من عبادة الله إلى عبادة نفسه.

كما يؤكد القرآن الكريم النهى عن مدح النفس وتعظيمها، قال تعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ) -النجم: 32-

تُبيّن هذه الآية أن الإنسان لا يجوز له أن يجعل نفسه معيارًا مطلقًا للخير، لأن الله وحده أعلم بمن هو الأتقى. وبذلك، فإن المفهوم الذي يناقشه فيتز قد تم التنبيه إليه بعمق في الوحي الإسلامي منذ زمن بعيد.

ومن هذا المنظور، يصبح نقد بعض التبسيطات في علم النفس الحديث – خاصة عندما يُفهم “تحقيق الذات” على أنه تبرير لاتباع كل الرغبات الداخلية – أكثر وجاهة.

مع ذلك، فإن هذا المفهوم في علم النفس الإنساني ليس بهذه البساطة؛ فهو في أصله جزء من عملية معقدة لتنمية إمكانات الإنسان. وغالبًا ما يحدث سوء الفهم عندما يتم تبسيط هذه المفاهيم العلمية في الثقافة الشعبية.

في التراث الإسلامي، حظيت طبيعة النفس الإنسانية بعناية عميقة قبل ظهور علم النفس الحديث بقرون.

فقد أوضح الغزالي أن النفس ميّالة إلى التلبيس والانحراف، وتحتاج إلى تهذيب دائم وتوجيه مستمر.

كما بيّن ابن القيم الجوزية مراتب النفس، بدءًا من النفس الأمّارة بالسوء وصولًا إلى النفس المطمئنة، مما يعكس أن الإنسان لا يُنظر إليه ككائن صالح بطبعه على إطلاقه، بل ككائن يتطلب تربيةً دائمةً وإصلاحًا مستمرًا.

وعند المقارنة مع مفهوم تحقيق الذات في علم النفس الإنساني، يظهر الفرق في الغاية: إذ يركز هذا الأخير على تحقيق إمكانات الفرد، بينما يضع الإسلام هذا التطور في إطار العبودية لله وطلب رضاه. فليست الذات غاية نهائية، بل وسيلة لغاية أسمى.

وفي مسألة البحث عن المعنى، توجد نقاط التقاء مع فكر فيكتور فرانكل، الذي يؤكد أن الإنسان يحتاج إلى المعنى لا مجرد اللذة.

غير أن الإسلام يتجاوز ذلك، إذ يحدد مصدرًا ثابتًا ومتجاوزًا للمعنى، وهو الوحي، لا مجرد التجربة الذاتية.

وخلاصة القول، أن نقد فيتز وتعاليم الإسلام يلتقيان في رفض جعل الإنسان نفسه مركزًا مطلقًا للحياة.

لكن في الإسلام، لا يُعد هذا مجرد نقد حديث، بل مبدأ أصيل ورد في القرآن الكريم منذ البداية. فالإسلام لا يرفض علم النفس، بل يرفض تحوّله إلى أيديولوجيا تمجّد الأنا. وهو يقدّم توازنًا دقيقًا: فهم النفس دون تأليهها، وتنمية الإمكانات دون فصلها عن مرجعية إلهية أعلى.

والله أعلم